الشوكاني
123
فتح القدير
مشيئته من تأخيره استدراجا لهم وإعذارا إليهم . قوله ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) المفاتح جمع مفتح بالفتح : وهو المخزن : أي عنده مخازن الغيب . جعل للأمور الغيبية مخازن تخزن فيها على طريق الاستعارة ، أو جمع مفتح بكسر الميم ، وهو المفتاح ، جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على طريق الاستعارة أيضا ، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميفع ( وعنده مفاتيح الغيب ) فإن المفاتيح جمع مفتاح والمعنى : إن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب ، أو المفاتح التي يتوصل بها إلى المخازن . وقوله ( لا يعلمها إلا هو ) جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى ، وأنه لا علم لأحد من خلقه بشئ من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها ، ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق اندراجا أوليا . وفى هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم ، ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم ، ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم " من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد " . قوله ( ويعلم ما في البر والبحر ) خصهما بالذكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله : أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علما مفصلا لا يخفى عليه منه شئ ، أو خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) أي من ورق الشجر وهو تخصيص بعد التعميم : أي يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه ، وقيل المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق ، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم ، قال ابن عطية : وهذا قول جار على طريقة الرموز ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه ( ولا حبة ) كائنة ( في ظلمات الأرض ) أي في الأمكنة المظلمة ، وقيل في بطن الأرض ( ولا رطب ولا يابس ) بالخفض عطفا على حبة : وهي معطوفة على ورقة . وقرأ ابن السميفع والحسن وغيرهما بالرفع عطفا على موضع من ورقة ، وقد شمل وصف الرطوبة واليبوسة جميع الموجودات . قوله ( إلا في كتاب مبين ) هو اللوح المحفوظ ، فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من ( إلا يعلمها ) وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله ( قل إني على بينة من ربي ) قال : على ثقة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله ( لقضى الأمر بيني وبينكم ) قال : لقامت الساعة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( وعنده مفاتح الغيب ) قال : يقول خزائن الغيب . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( وعنده مفاتح الغيب ) قال : هن خمس - إن الله عنده علم الساعة - إلى قوله - عليم خبير - . وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله . ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله . ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله " . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) قال : ما من شجرة من بر ولا بحر إلا وبها ملك يكتب ما يسقط من ورقها . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد نحوه . وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن جحادة في قوله ( وما تسقط من ورقة ) قال : لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده ، فذلك قوله ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) وأخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله